سهيلة عبد الباعث الترجمان
305
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
حدث المحيط ، ودلّ المحيط على نقطة الدائرة فحدثت الخطوط من النقطة إلى المحيط ولم تتجاوز ، فإن انتهاء الخط إنما يكون إلى نقطة من المحيط ، فانتهى إلى مثل ما منه خرج . فصورة أوليته عين صور آخريته ، فيصير من حكم نقطة آخره الذي انتهى إليها من المحيط مركزا لمحيط آخر ، نصفه من داخل المحيط الأول ، ونصفه من خارجه بحكم الظاهر والباطن ، ويلتقي طرفاه أيضا . . . إلى ما لا يتناهى وهو الخلق الجديد . . . فالنقطة سبب في وجود المحيط ، والمحيط سبب في حصول العلم بالنقطة ، فالمحيط حق وخلق ، والنقطة حق وخلق ، فهذان حكمان يسريان في كل دائرة ظهرت من الدائرة الأولى . . . فالمحيط يحفظ النقطة علما ، والنقطة تحفظ المحيط وجودا . فكل واحد منهما حافظ ومحفوظ . . . فإنك من العالم روح العالم ، والعالم صورتك الظاهرة ، ولا معنى للصورة بلا روح ، فلا معنى للعالم دونك " « 1 » . لعل هذه الصورة التي رسمها ابن عربي كافية لتوضيح مذهبه في الوحدة ونظرته الكلية إلى الوجود المتكامل بين حق وخلق ، إذ بدون أحدهما لا تكتمل الصورة ولا تظهر حقيقة الوجود ولا يعرف سرّه ، فبالحق يوجد كل موجود ، وبالخلق تعرف حقيقة الوجود ، وليست الموجودات سوى مجاليه ومظاهر أسمائه وصفاته ، فنقطة دائرته تمثل الحق ومنها يصدر كل وجود ولولاها لما ظهر أي خط فيها إذ هي أصل في وجود المحيط . ومقام النقطة ومكانتها في الإيجاد أعلى مراتب الشرف وأفضلها ، وهي تمثل الحق من حيث هو مصدر كل وجود ومبدأ كل خير ، ولهذا احتلت مرتبة الشرف إذ أنها أول المراتب وأعلاها ، ولها التقدم في الدائرة على محيطها ، فالنقطة هي أصل وجود المحيط ، والخلق كله للّه أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « 2 » وهو في ذلك يستند إلى قوله عز وجل في تثبيت فكرة النقطة والمحيط بقوله تعالى : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ « 3 »
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 475 وما بعدها . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 54 ك . ( 3 ) سورة البروج ، الآية : 20 ك .